عبد الشافى محمد عبد اللطيف

72

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

العرب ، حيث أكرمها اللّه وهداها إلى الإيمان به ولنصرة رسوله وإعزاز دينه وإعلاء كلمته . ولا شك أن جوار اليهود للعرب في يثرب لم يكن شرّا كله ، بل كان فيه بعض الخير ، فمن كثرة حديث اليهود عن الأديان والكتب المقدسة ، ومن تعييرهم العرب بوثنيتهم وشركهم ، فقد نبهوهم إلى هذه القضايا الروحية ، وأثاروا فيهم روح التطلع والتشوق إلى ظهور النبي الذي طالما حدثوهم عنه ، وأوضح دليل على ذلك استجابة عرب يثرب لدعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلم بل ومخاطرتهم من أجلها ، منذ اتصلوا به واتصل بهم مباشرة استجابة لم يلقها عند حي آخر من أحياء العرب ، على كثرة ما كان يلقى من وفودهم ويعرض نفسه عليهم في المواسم وغيرها . روى ابن إسحاق قال : « حدثني عاصم بن عمر بن قتادة - عن رجال من قومه - قالوا : إن مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمة اللّه تعالى وهداه - لما كنا نسمع من رجال يهود ، كنا أهل شرك وأصحاب أوثان ، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا ، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور ، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا : إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فكنا كثيرا ما نسمع منهم ذلك ، فلما بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى اللّه تعالى ، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه ، فامنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزلت هذه الآية من سورة البقرة : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [ البقرة : 89 ] « 1 » . ثم كان لليهود أثر آخر - غير الأثر الروحي - في استجابة عرب يثرب لدعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك أن اليهود لما غلبوا على أمرهم في يثرب وتراجعت مكانتهم عما كانت عليه ، وأصبحت كلمة العرب هي النافذة ، لجأ اليهود إلى أسلوب الدس والوقيعة وبث الفرقة بين الأوس والخزرج لإضعافهم جميعا ، وقد نجحوا في ذلك وكان دورهم في حرب بعاث واضحا ، تلك الحرب التي كادت أن تقضي على الأوس والخزرج جميعا لتعود سيطرة اليهود على يثرب دون منازع ، وهنا تنبه الأوس والخزرج جميعا للخطر الماحق ، وسرى بينهم اتجاه لتوحيد صفوفهم وتناسي خلافاتهم ، لدرجة أنهم فكروا في تنصيب ملك عليهم ليوحدهم ضد خطر اليهود ، وقد رشحوا فعلا عبد اللّه بن أبيّ بن سلول لهذا المنصب وإذا كانت هذه الخطوة لم تتم فذلك لأن اللّه تعالى قد أعدهم لشيء أعظم وأفضل مما كانوا يفكرون فيه ، فهم

--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه ( 1 / 231 ) .